ضم الضفة الغربية: خدعة إسرائيل الخفية

محسن باك آئين
تُخفي خطة إسرائيل لضم الضفة الغربية إخفاقاتها العسكرية في غزة، وتُشير إلى تجدد السعي للتوسع الإقليمي.
بعد قمة شرم الشيخ، وبعد دعم بعض الدول العربية والأوروبية لخطة ترامب للسلام وبدء مراحل تطبيقها، استطاعت حركة المقاومة الإسلامية حماس إدارة الموقف بذكاء؛ بحيث اضطر النظام الصهيوني، مع إطلاق سراح عدد من سجنائه، إلى تخفيف حدة هجماته إلى حد ما، والتوجه نحو الانسحاب العسكري إلى الحدود بين قطاع غزة والأراضي المحتلة.
كانت هذه التطورات والإجراءات الإيجابية الهادفة إلى الحفاظ على وقف إطلاق النار وتقديم المساعدات لسكان غزة الأعزل، في الواقع، خسارة وهزيمة واضحة للنظام الذي ادّعى تدمير حماس وغزة. وكان من المتوقع أن تُحوّل إسرائيل الرأي العام العالمي للتغطية على هذا الإخفاق، وبفتح جبهة جديدة، تُخفي عجزها في مواجهة المقاومة الفلسطينية. لذلك، نشهد إقرار الكنيست مشروعي قانونين بشأن ضم الضفة الغربية والقدس الشرقية المحتلة إلى فلسطين المحتلة.
وقد لاقى نشر هذا الخبر صدىً عالميًا واسعًا، وساهم في صرف انتباه الرأي العام عن قضية الإبادة الجماعية في غزة، وانتهاك وقف إطلاق النار، ومحاولة إفشال بنود خطة السلام، وأتاح لنتنياهو فرصةً لتقديم الكيان الصهيوني كقوة متفوقة في المنطقة. إلا أن المعارضة السريعة من المجتمع الدولي، وخاصةً من الأمم المتحدة والدول الأوروبية والحكومات العربية، وحتى الولايات المتحدة، دفعت نتنياهو إلى إعلان أن هذا الإجراء ليس أولوية في الوضع الراهن، وأنه مجرد مناورة سياسية تهدف إلى إدارة المعارضة الداخلية. إلا أن الواقع يُشير إلى أن هذا الإجراء يُعدّ بداية مرحلة جديدة، وهي خطوة قد تُتبع في المستقبل، رغم المواقف الأمريكية المعلنة وتراجع نتنياهو الواضح. كان الهدف الرئيسي لترامب في ولايته الرئاسية الأولى، فيما يُسمى بخطة "الصفقة الكبرى"، ضم الضفة الغربية إلى الأراضي المحتلة الأخرى الخاضعة لسيطرة فلسطين المحتلة منذ البداية. وكما شهدنا خلال رئاسته، عند نقل السفارة الأمريكية إلى القدس، فإن فكرة ضم الضفة الغربية بالكامل تُعدّ استراتيجية أمريكية مستمرة تحظى بدعم سياسي وأمني من واشنطن. معارضة ترامب الظاهرة لخطة الضم حاليًا لها سببان: أولًا، رغبته في إتمام خطته للسلام؛ ثانيًا، عدم رغبته في أن تصبح الولايات المتحدة أكثر عزلة في المجتمع الدولي في ظل الضغط الشعبي والمواقف السلبية للمؤسسات الدولية، الأوروبية والإسلامية.
مع ذلك، لا ينبغي للمرء أن يعتقد أن المعارضة الحالية من الدول الغربية أو تصريحات نتنياهو تعني نهاية هذه القضية. من المرجح جدًا أنه بعد انتهاء المراحل الحالية من خطة السلام، ستُطرح مسألة الضم مجددًا، وقد يصاحبها دعم أو صمت أمريكي. في الواقع، على المدى القصير، ولدفع خطته للسلام المنشودة، يتحدث ترامب عن وقف الضم مؤقتًا، ولكن إذا فشلت هذه الخطة في ضمان مصالح الكيان الصهيوني، فهناك احتمال للعودة إلى سياسة التوسع في الضفة الغربية. يُذكر أن هذه الخطوة تتناقض تمامًا مع ما يُسمى بـ"حل الدولتين"، الذي نصّ، وفقًا لقرار الأمم المتحدة عام ١٩٤٨، على قيام دولتين: عربية (فلسطين) ويهودية (إسرائيل). إن الخطوة الأخيرة التي اتخذها الكيان الصهيوني لا تتعارض فقط مع هذا القرار الدولي، بل تتناقض أيضًا مع الموقف الحالي لمعظم دول العالم، التي تسعى إلى الاعتراف الرسمي بدولة فلسطين.
وبناءً على ذلك، يجب على المجتمع الدولي، وخاصة جمهورية إيران الإسلامية، مراقبة التطورات عن كثب، لأن قضية ضم الضفة الغربية ليست مسألة بسيطة ومؤقتة. إذا استمر هذا التوجه فإنه سيزيد بالتأكيد من مساحة الأراضي المحتلة ويكثف ردة فعل ومقاومة الشعب الفلسطيني، ونتيجة لذلك قد يدفع التطورات في المنطقة إلى مرحلة حرجة.